ابن العربي
184
أحكام القرآن
الفصل الأول : كلمة القرء كلمة محتملة للطهر والحيض احتمالا واحدا ، وبه تشاغل الناس قديما وحديثا من فقهاء ولغويين في تقديم أحدهما على الآخر ؛ وأوصيكم ألّا تشتغلوا « 1 » الآن بذلك لوجوه ؛ أقربها أنّ أهل اللغة قد اتفقوا على أن القرء الوقت ، يكفيك هذا فيصلا بين المتشعبين « 2 » وحسما لداء المختلفين ؛ فإذا أرحت نفسك من هذا وقلت : المعنى : والمطلقات يتربّصن بأنفسهن ثلاثة أوقات ، صارت الآية مفسرة في العدد محتملة في المعدود ، فوجب طلب بيان المعدود من غيرها ، وقد اختلفنا فيها ؛ ولنا أدلّة ولهم أدلة استوفيناها في تلخيص الطريقتين على وجه بديع ، وخلصنا بالسّبك منها في تخليص التلخيص ما يغنى عن جمعه اللبيب ؛ وأقربها الآن إلى الغرض أن تعرض عن المعاني لأنها بحار تتقامس « 3 » أمواجها ، وتقبل على الأخبار ؛ فإنها أول وأولى ، ولهم خبر ولنا خبر . فأما خبرهم فقول النبي صلى اللّه عليه وسلم في الصحيح المشهور : لا توطأ حامل حتى تضع ، ولا حائل حتى تحيض . والمطلوب من الحرّة في استبراء الرحم هو المطلوب من الأمة بعينه ؛ فنصّ الشارع صلى اللّه عليه وسلم على أن براءة الرحم الحيض ، وبه يقع الاستبراء بالواحد في الأمة ، فكذلك فليكن بالثلاثة في الحرّة . وأما خبرنا فالصحيح الثابت في كلّ أمر أنّ [ 94 ] ابن عمر رضى اللّه عنهما طلّق امرأته وهي حائض ، فأمره النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أن يراجعها ، ثم يمسكها حتى تحيض وتطهر ، ثم تحيض وتطهر ، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلّق ، فتلك العدّة التي أمر اللّه تعالى بها أن يطلّق لها النساء ، وهذا يدلّ على أنّ ابتداء العدة طهر فمجموعها أطهار . [ والتنقيح و ] « 4 » الترجيح : خبرنا أولى من خبرهم ؛ لأنّ خبرنا ظاهر قوىّ في أنّ الطّهر قبل العدّة واحد أعدادها لا غبار عليه ، فأما إشكال خبرهم فيرفعه أنّ المراد هنالك أيضا هو الطّهر ، لكن الطهر لا يظهر إلّا بالحيض ؛ ولذلك قال علماؤنا : إنها تحلّ بالدم من الحيضة الثالثة . الفصل الثاني : من علمائنا من زاحم على الآية بعدد ، واستند فيها إلى ركن ، وتعلّق منها بسبب متين ؛ قالوا : يصحّ التعلق بهذه الآية من أربعة أوجه :
--> ( 1 ) في ا : تشغلوا . ( 2 ) في ا : فضلا بين المستفتين . ( 3 ) تتقامس : تضطرب . ( 4 ) من ل .